الأحد، 24 أغسطس 2014

تقرير حركة جعفر الخابوري الا سلا ميه

كان الهدف على الدوام أن يكون سد الموصل رمزا لطموح كبير لدى العراق يخرج به من دوامة الفقر والتخلف، لكن السد الذي بلغت تكاليفه 1.5 مليار دولار ويقع شمالي المدينة لازمته من البداية مشاكل هندسية كبيرة والان ازداد الوضع سوءا بعد أن أصبح محور معركة بين مقاتلي الدولة الاسلامية من جانب والولايات المتحدة والقوات العراقية من جانب آخر، ورغم العيوب الهيكلية يعد السد مصدرا حيويا للمياه والكهرباء لمدينة الموصل أكبر مدن الشمال العراقي التي يعيش فيها 1.7 مليون نسمة.
ويعتبر سد الموصل أكبر سدود العراق إذ يبلغ طوله 3.6 كيلومتر وتولت بناؤه مجموعة شركات ألمانية ايطالية في الثمانينات، فمن يسيطر على السد يتحكم في "مفاتيح" المدينة. وإدراكا لذلك انتزع مقاتلو الدولة الاسلامية - الذين استولوا على مساحات كبيرة من أراضي العراق وسوريا وأعلنوا قيام دولة الخلافة - السيطرة على السد من القوات العراقية في الأسابيع الأخيرة، وتزايدت المخاوف من أن يلحق الجهاديون الضرر بالسد الذي يمكنه حجز أكثر من 11 مليار متر مكعب من المياه.
وفي حين أن القوات العراقية والكردية استعادت السيطرة على السد بمساعدة الضربات الجوية الامريكية فما زال احتمال الكارثة يخيم على السد الذي وصفه تقرير لسلاح المهندسين الامريكي بأنه "أخطر سد في العالم".
ويصور أسوأ السيناريوهات انهيارا كاملا للسد يمكن أن يطلق موجة عملاقة تغرق الموصل في مياه يتراوح ارتفاعها بين 25 و30 مترا وتقتل ما يصل إلى نصف مليون شخص. وربما يصل ارتفاع المياه في بغداد إلى خمسة أمتار.
وسيضع ذلك السد في مرتبة واحدة مع فيضان النهر الأصفر عام 1938 عندما فتح شيانغ كاي شيك السد لوقف تقدم اليابان في الصين في حادث قيل أنه أسفر عن مقتل ما بين 500 ألف و900 ألف شخص، ولم يتصور المهندسون الذين عملوا في مشروع السد أنه قد يصبح محور معركة بعد 30 عاما لكن المشاكل البنيوية ظلت قائمة طوال هذه الفترة.
فقد بني السد على أسس جيوليوجية خاطئة على مسافة تتراوح بين 45 و50 كيلومترا شمالي الموصل من بينها الجبس أو الجص وهو مادة رخوة ليست بالصلابة الكافية لتحمل ثقل السد، وقال شخص عمل مع شركة هوكتيف الألمانية التي قادت عملية بناء السد في الثمانينات "داخل هوكتيف كان السد يعتبر أسوأ ما بنته المجموعة على الاطلاق"، وأضاف هذا الشخص لرويترز في فرانكفورت طالبا عدم نشر اسمه "من الناحية الجيولوجية لا يعتبر الجص مادة صخرية. فهو مادة رسوبية ناعمة كالزبد. وبتعبير فيزيائي هو سائل لزج. التربة كلها تشبه الجبن السويسري"، وللتغلب على هذه المشكلة وضمان عدم انهيار السد يتعين حقنه على مدار الساعة في عملية يتم فيها ملء الفراغات التي تظهر في أساساته بالخرسانة.
ويقول ريتشارد كوفمان استاذ الهندسة المدنية المساعد بجامعة أركنسو الذي أجرى أبحاثا موسعة على السد إن الحقن يتم في العادة ستة أيام في الاسبوع على مدار 24 ساعة، ويضيف "إذا توقف برنامج الحقن اسبوعين فسنبدأ في مشاهدة المزيد من التفسخ في القاعدة الصخرية... ومن المحتمل أن يؤدي ذلك لاضعاف السد تماما وقد تنطلق المياه من الخزان"، وأضاف المياه قد تصل إلى الموصل في ثلاث ساعات ونصف الساعة.
وقال مهندس إنشاءات يعمل بفريق الحقن إن عملية الحقن توقفت قبل ثلاثة أيام وإنه غادر السد خوفا على حياته، وأضاف "بالقطع يحتاج السد لحقن شبه يومي لضمان بقاء الأساسات سليمة ومستقرة"، وتابع أن قوات الأمن حثت المهندسين على استئناف الحقن لكنهم رفضوا إلا إذا "تحسن الوضع وأصبحت سلامتنا مضمونة تماما".
ضغط المياه
وقال المهندس إن الأسمنت الذي يستخدمونه من نوع رديء وإن "مرور أسبوع آخر دون أعمال حقن سيعرض السد للخطر ويدفعه للانهيار تحت ضغط المياه"، وبعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 زار مهندسو الجيش الامريكي الموقع لتقديم توصيات بشأن تحسين السد. وحفر المهندسون آلاف الفتحات وضخوا فيها خرسانة تحت ضغط لملء الشروخ.
وقال حسن الريزو ممثل العراق لدى الجمعية الدولية لعلوم المياه إن الضرر لن يكون ضرر الفيضان فحسب. بل إن العراق سيفقد أيضا احتياطياته الاستراتيجية من المياه اللازمة للري وتوليد الكهرباء، ورغم أن السد أصبح هذه الأيام ساحة لقتال عنيف فقد كانت المنطقة المحيطة بموقعه مقرا لالاف العمال الأجانب في ذروة أعمال البناء.
وأقيمت في الموقع بيوت فاخرة وأحواض للسباحة وملاعب للاسكواش وكرة القدم. وقال مهندس اسكتلندي عمل في المشروع بين عامي 1983 و1988 "كان لديك الكثير لتفعله عندما تأخذ يوم الراحة. كنا نلعب كرة القدم مع فريق جامعة الموصل"، وقال المهندس الذي يعيش في دبي لرويترز "لم يكن ينقصنا شيء فعلا. فقد كان كل شيء يجلب لنا من أوروبا" وأضاف أن صدام حسين زار المشروع.
ايطاليا الصغيرة
بل إن جوسيبي كاتاني الذي عمل مديرا ماليا لواحدة من الشركات العاملة في المشروع قال إن موقع بناء السد كان مدينة صغيرة. وأضاف "بل إن الناس من مناطق مختلفة كانوا يسمون أحياءهم (ايطاليا الصغيرة) و(باريس الصغيرة)"، وتابع "بالنسبة للعراقيين كان امتلاكهم واحدا من أكبر السدود في العالم مدعاة للفخر حقا"، وقد انقضت هذه الأيام بأحداثها منذ مدة طويلة، وقال اللواء هالجورد حكمت المتحدث باسم قوات البشمركة الكردية إن المتشددين زرعوا ألغاما ومتفجرات داخل السد، وأضاف "سنحميه. لدينا أسلحة متقدمة وثقيلة وهي الان رابضة على السد وقواتنا الخاصة هناك"، لكن الكلام عن حماية السد أسهل من الفعل نظرا لحجمه وموقعه، وقد رافق المستشار الأمني جون هوليس مهندسي الجيش الامريكي ومسؤولين حكوميين من الأكراد والعراقيين في زيارة السد أكثر من عشر مرات بين عامي 2004 و2006 لاجراء عمليات لتثبيته، وفي مرات كثيرة تعرضت قافلتهم لكمائن من قنابل مزروعة على جانبي الطريق إلى نيران الاسلحة الصغيرة من جانب مقاتلي القاعدة.
وقال هوليس لرويترز في دبي "إنها مساحة كبيرة للغاية وهي منطقة تأمينها في غاية الصعوبة بسبب طبيعة تكوينها الجغرافي"، وأضاف أن مقاتلي الدولة الاسلامية استطاعوا اجتياح المنطقة بسهولة لانها لم تكن تتمتع بالحماية الملائمة موضحا أن من الضروري وجود وحدة عسكرية كبيرة ودائمة مع مراقبة جوية لضمان أمن المنطقة، وقال "يمكنك أن تتوقع حدوث الشيء نفسه مرة أخرى... فعندما يعتقدون أن الوقت مناسب للهجوم سيهاجمون مرة أخرى".

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

طاعون داعش قابل للانتشار بقلم: سامح عسكر

طاعون داعش قابل للانتشار بقلم: سامح عسكر

تاريخ النشر : 2014-08-20
 
طاعون داعش قابل للانتشار بقلم: سامح عسكر
في فيلم أمريكي كانت المدينة على موعد مع فيروس غريب ليس كالفيروسات، فالمعهود عن طبيعة الفيروسات المرضية أنها تؤذي صاحبها أو تنتقل عن طريق العدوى، وفي كل الأحوال فهي لا تؤذي إلا المريض، لكن لم نسمع عن فيروس مثلا يجعل الإنسان يشتم أو يقتل ويذبح، لكن مع هذا الفيلم كان الفيروس من تلك النوعية، إذا أصاب صاحبه يجعله يَعضّ الآخر من رقبته ويسيل دمه، ثم ينتقل الفيروس بسرعة وبثوانٍ معدودة إلى الضحية ليمارس هو الآخر عدوانيته ويعض كل من يقابله فتتحول المدينة بكاملها إلى مدينة أشباح ووحوش قاتلة.

قد يثير انتباه البعض شخصاً هادئاً ونزيهاً أو فتاة جميلة رقيقة لا تعرف للعنف سبيلا، ولكن إذا تعرضت لهذه العضّة الفيروسية القاتلة تتحول إلى وحش كاسر يأكل لحوم البشر بشراهة.

عندما أرى جماعة داعش وهي تتوسع بسرعة ويزيد نفوذها حتى تحتل شمالي العراق وسوريا وتشكل حلقات متصلة، ومع هذا النفوذ لا تتوقف مشاهد القتل والذبح وحز الرؤوس ونشر هذه المقاطع...مع كل هذا أتذكر هذا الفيلم مباشرةً، وبعفوية أربط بين هذا الفيروس المُعدي في المدينة وبين فيروس داعش القاتل الذي وإن أصاب طبيباً عاقلاً أو فنانا مرهف المشاعر إلا ويتحول إلى وحش كاسر لا عقل له ولا قلب..

في حلقاتٍ ماضية متصلة ربطنا بين جرائم داعش وبين تراث المسلمين السنة، وقلنا أن هذا التراث لا يصنع إلا هذه النوعية من المخلوقات، وأن كافة محاولات تطويعه وتأويله أو توجيهه للمعاصرة هي محاولات بلا جدوى، بل هي تصب في خانة إهدار الجهد والمال، لأن النتيجة الحتمية لهذا التراث سواء اليوم أو غداً هي صناعة إنسان جاهل أو مجرم، وفي كِلتا الحالتين يتحمل مسئوليته من رفع لواء التكفير في وجه كل من يطالب بتجديده وتنقيحه ليس لنا على الأقل..ولكن لنحمي الأجيال القادمة من الهلاك المحتم.

البداية كانت منذ إحياء ذلك التراث على أيدي جماعة الإخوان المسلمين، فنشروه بصبغة سياسية، وغلفوا دعواهم بشعاراً وأملاً خادعا تحت عنوان.."الصحوة الإسلامية"..وتكلموا عن نظام الحكم في الإسلام، ووجوب عودة الخلافة بعد هدمها في تركيا، وتصدوا لكل دعاة التنوير في في عهدهم كأحمد لطفي السيد وعباس العقاد وطه حسين وغيرهم الذين كانوا يعلمون مآلات تلك الدعاوى الهدامة، ونشر الحمقى منهم دعوات التكفير في حقهم، لأن التراث أفهمهم أن طريق الله المعصوم بين يديهم، وأن أي نهاية لهذا الطريق ستكون خيراً لهم سواء تمكنوا من الحكم أم لا..

قاموا بإحياء صورة الصحابة التراثية التي يملأها الخيال والطوباوية المفرطة، فاعتقد العوام أن ما يتحدثون عنهم ليسوا بشراً ولا يجوز في حقهم الخطأ، فسادت وانتشرت دعاوى الطائفية بعد انقراضها على عهد المعتزلة وإحياءها في عصر ابن تيمية ثم الإحياءة قبل الأخيرة للطائفية على يد الشيخ ابن عبدالوهاب، والآن جددها الإخوان المسلمون بإحياءة أخيرة حصدت أرواح ملايين المسلمين في سوريا ولبنان والعراق وإيران، كأكبر عدد لضحايا العنف الطائفي في تاريخ المسلمين.

يعتمد الداعشيون في دعوتهم على ذلك التراث السني الطائفي ويُفضلون عادةً أن يكونوا ديماغوجيين يكسبون عواطف الناس ، هي الصورة اللامرئية للشخص التراثي، حيث وباعتقاده الحق المطلق -ووجوب استنفاره سياسياً -يتصدي لهم أصحاب المصالح، فيعتقد أن تصديهم هو حرب مع الله..تلك الصورة التي ورثوها عن الخلافة والشريعة البائدة في القرون الوسطى، لم يجرِ تجديدها حديثاً إلا بجهود فردية غير مؤثرة تُحسب لأصحابها، ولكن يظل الخط العام للخطاب الديني يعتمد على هذه المفاهيم التراثية لصنُع ما يعتقدونه بحالة إيمانية تسمح لهم بالتمدد والتوسع تحت ستار.."نشر الإسلام".

هي حالة فريدة تصلح لأن تكون فيروساً يسري مسرى الدم في العروق، وهل بيننا من يشعر بدمه يجري؟..هؤلاء كذلك لا يشعرون بهذا الفيروس الذي لم يكتفِ بالسيطرة على الدم، بل هو مخصص للسيطرة على الدماغ والوجدان ككل.

قديماً لجأ أحد أكبر أساطين التنوير وهو الدكتور طه حسين إلى المواجهة المباشرة، وتصدى لهؤلاء التراثيين وطعنهم في عقر دارهم، بعد أن علم منبت الداء وجذور الصرع الطائفي لديهم، حيث علم أن دعواهم تعتمد ليس فقط على التأويلات والنزعات والمصالح بل أيضاً على الأكاذيب، فنفى قصة ابن سبأ مع الإمام علي بن أبي طالب، وأعلن أن ابن سبأ شخصية أسطورية لا وجود لها، وأن قصصه وحواديته من اختراع ذلك العهد المأفون الذي كان يضج بالتعصب والعنف الطائفي ومشاهد الدماء مُضرجة في الشوارع، وليس مجرد تدوين تلك القصص علامة على صحتها، بل التاريخ يُثبت أنها لم تظهر إلا في كتب المتأخرين كالطبري وبن قتيبة، ثم أخذ عنهم الشهرستاني في الملل والنحل وابن حزم في الفصل والاسفراييني في التبصير.

كانت محاولات فردية لإحداث نوع من التغيير ولكنها باءت جميعاً بالفشل، والسبب أنه ما من انتصارٍ يحدث إلا عن تيار وحركات جماعية، ومهما فعل طه حسين أو غيره فجهودهم لا تذكر مقابل دعوات وإمكانيات التراثيين، الذين يعتمدون بشكل أساسي على جهل الشارع، وعلى إمكانياتهم المالية والنفطية بل والسياسية.

إن مجتمعات المسلمين الآن هي بيئة خصبة لتمدد داعش، وكأن داعش هي العقاب الإلهي للمسلمين الذين تكاسلوا وتجابنوا عن مواجهتهم في المهد، قال لي صديق أن المصريين لن يفيقوا إلا بعد اكتوائهم بنار داعش، قلت وهل الليبيون والسوريون أفاقوا أم لا؟..ما زالت المناطق المحررة من داعش يرون ما يراه ابن عثيمين وابن باز ومحمد حسان والحويني ، بل يرون في ابن تيمية شيخاً للإسلام، والسبب أن بعض الشيوخ قالوا ان داعش لا تمثل الإسلام هكذا دون تفصيل وبيان، فاعتقد العوام أن داعش ليست هي الإسلام، ولكن لم يتسلحوا بالإسلام الصحيح.

وهذا يعني أن الداعشيين يمكنهم العودة تحت إسم وشكل جديد، ولكن المضمون واحد، فبقاء هذا التراث هو لعنة أصابت الأجيال المتتالية منذ عهد المتوكل العباسي إلى عهد أبو بكر الداعشي ، انتصار متكرر للحنابلة وصراع دائم مع الآخر وتخلف وانحطاط بشري لم نراه في قبائل الزومبا وآكلي لحوم البشر، أمس أعلنت أحد القنوات زيادة مقاتلي داعش في سوريا 6000 في أسبوع، وهذا يعني تمدد مخيف وتهديد علني لمجتمعات العرب وغير العرب .

إن ما يحدث للمسلمين يستحق أن يكون حالة فريدة يجوز وصفها .."بالوباء "..قديماً كان التطرف حالة فردية سهلة الرصد والتتبع، أما الآن فيكفي أن تردد فتوى واحدة لشيوخ داعش كي تكون عضواً عاملاً في دولتهم لا فرق بينك وبينهم سوى أنهم سبقوك بحمل السلاح والعدوان، أما أنت فقاعد ، فهل يستوي الداعشيون مع القاعدون؟

ما يفعله البغدادي وكافة مرضى الوباء هو أنهم يُحاكمون المسلمين لتراثهم، هذا هو ما أنزل الله وسنّه رسوله، عليكم باتباعنا ، الدين ليس فيه عقل بل اتباع، ولو كان بالعقل لكان مسح أسفل الخف أولى من ظاهره ، تلك الحجة السخيفة التي يرددها البلهاء ، رغم أن هذه الكلمة بشرية منسوبة للإمام عليّ ، ولكن جعلوها قاعدة لفهم الدين وتقليد بعضهم كالنعاج في الزرائب، وكأن الله لم يُحاكم البشر لعقولهم ويأمرهم بالتفكر في الحرث والزرع والماء، ولما لا وهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فهم من اعتادوا الكذب على الله وعلى رسوله، وهم من آذوا الأنبياء قديماً ويُؤذون المصلحين حديثاً.


المزيد على دنيا الوطن .. http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2014/08/20/339275.html#ixzz3B0J6BWy3

تقرير حركة جعفر الخابوري الا سلا ميه


عندما ذهبت للولايات المتحدة أول مرة للدراسة، وفي أثناء دراسة اللغة الإنجليزية كان معي في الفصل، في أول فصل دراسي لي، اثنان من الإسرائيليين، أحدهما شاب جذوره مغربية والآخر رجل في منتصف العمر جذوره من أوروبا الشرقية. في أثناء حديث دار بيننا مرة تناولنا وضع فلسطين والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين فطرحت عليهما سؤالاً حول ما الذي يريانه كحل للمسألة.

الرجل ذو الجذور الأوروبية الشرقية قال لي «لقد اشتركت حتى الآن في حربين مع العرب، وأعرف ما تعنيه الحرب وما تفرزه من معاناة ومن أسى على الطرفين، لذا لا أعتقد أن غير السلام حلاً يجب أن يسعى إليه الطرفان» أما الشاب ذو الأصول المغربية فقال لي «لماذا تعتقدين أن على "إسرائيل" الاهتمام بالفلسطينيين، لديكم متسع من الأرض في الأراضي العربية، خذوهم وابنوا لهم وطناً عندكم، أو ابعثوهم إلى باكستان، نحن لسنا مسؤولين عنهم».
بعد هذا الحوار بسنوات قليلة، وأثناء دراستي للسينما في الولايات المتحدة كنت في زيارة لبريطانيا في إحدى إجازاتي، وهناك سعت إحدى صديقاتي المقيمات في لندن في ذلك الوقت إلى ترتيب لقاء لي مع إحدى المخرجات البريطانيات العاملات في مجال الفيلم الوثائقي لنتعرف على بعض، كما قالت صديقتي ولتبادل الأفكار والحوار.
عندما دخلنا إلى بيت تلك المخرجة شممت رائحة طعام عربي، ولا أعرف لماذا وقتها شكلت تلك الرائحة نوعاً من الهاجس إلى أنها ترمي إلى وجود شيء له علاقة بـ"إسرائيل". ذلك كان شكل من ردات الفعل خبرته في جسدي حين يكون هناك شيء من الوجود الإسرائيلي يشغل حيزاً من المكان الذي أكون فيه.

ولن أتجه إلى الدخول في عملية تحليل معقدة تسعى إلى محاولة تفسير تعامل الجسد مع محيطه بما يكشف وجود مجسات ذكية في أجسادنا تحلل محيطها وتخبره بما يحيط به من «طاقات إنسانية أو طبيعية» إنما سأعود إلى موضوعي الأساسي.
بعد دقائق من وجودنا في بيت المخرجة دخل إلى المكان الذي نجلس فيه شاب أتذكر أنه كان يرتدي قميصاً وبنطالاً قصيراً ودعانا إلى الإفطار معه ومع المخرجة، الذي قال إنه يحتوي فولاً وأشياء أخرى لا أذكرها الآن، فاعتذرنا لهم عن المشاركة لأننا كنا قد أفطرنا.
بعد الإفطار جلسنا للحديث، وكان أن عرفتنا المخرجة بذلك الشاب ثم حدثنا الشاب هو عن نفسه وعن الهدف من تواجده في بريطانيا وقتها. قال لنا إنه شقيق فعنونو، الخبير المهندس الإسرائيلي العامل في مجال علوم الذرة، والذي كان قد كشف للعالم وقتها، وأثناء تواجده في خارج "إسرائيل" عن أن تلك الدولة تعمل في مجال صناعة وإنتاج السلاح النووي وأنها تمتلك قنابل ذرية، وأنها بذلك تشكل خطراً على شعبها وعلى العالم أيضاً.

وقد استدعى تصريح فعنونو ذلك من دولة "إسرائيل"، كما يعرف بعضنا القصة، إلى ملاحقته واختطافه من الدولة التي كان فيها ومن ثم سجنه ومحاكمته بتهمة الخيانة الكبرى. وأضاف لنا ذلك الشاب، أن وجوده في بريطانيا هو جزء من سعيه إلى إيجاد رأي عام يسعى إلى إيقاف قرار "إسرائيل" الرامي إلى إدانة فعنونو ومحاولة السعي إلى إطلاق سراحه، لأنه كما قال، لقد كان هدف أخيه من تصريحه ذاك السعي إلى تقليص الخطر الذي يواجه، ليس العرب، وإنما الوجود الإسرائيلي نفسه، والبحث عن حلول سلمية.
ولقد خطر لي وقتها أن أطرح على ذلك الشاب، وبعد أن عرفت أن أصوله تنحدر من اليهود المغاربة سؤالاً حول حقيقة أن الكثير من اليهود المنحدرين من الأصول الشرقية أكثر شراسة وعدوانية تجاه العرب من اليهود المنحدرين من أصول غربية.

فقال لي إن اليهود الشرقيين مواجهون دوماً بقضية إثبات الولاء لـ"إسرائيل"، وذلك سعياً لنفي علاقتهم بجذورهم العربية أو نفياً للصلة الإنسانية التي تنامت بينهم وبين باقي العرب كنتيجة لتعايشهم التاريخي الطويل معهم، وبالتالي فإن اليهود المنحدرين من أصول شرقية يحاولون طوال الوقت إثبات ولائهم لدولة "إسرائيل" حتى لا يتهموا بالتحيز لأصولهم أو التنكر ليهوديتهم.

تذكرت هذه المواقف، ومنها لقائي ذاك مع أخ فعنونو، اليهودي ذي الجذور المغربية، وأنا أتابع مواقف وزير الحرب الإسرائيلي عمير بيريتس، المنحدر هو الآخر من أصول شرقية، مغاربية تحديداً، في الحرب الدائرة بين حزب الله ودولة "إسرائيل"، وكيف كان بيريتس شرساً وعدوانياً وغير رحيم فيها، وهو الذي قدمته وسائل الإعلام، في بداية ظهوره للمجال السياسي العام على أنه أحد أهم المهتمين بقضايا العدل الاجتماعي في "إسرائيل"، وأحد المهتمين والناشطين في قضايا السلام بينهم وبين الغرب.

ولقد كان هناك الكثير من التركيز في الصحف، حين الحديث عن شخصية عمير بيريتس على تلك الجوانب، وبخاصة اهتمامه بقضية السلام، مما جعلني أعتقد وقتها أنه ربما يأتي إلى موقع القرار الإسرائيلي من سيكون أكثر حرصاً على التعايش السلمي بيننا وبينهم.
لكن مواقف بيريتس في الحرب ضد لبنان، والشراسة والعدوانية الكبيرة التي أظهرها تجاه العرب في تلك الحرب أعادت إلى ذهني تلك المواقف التي مررت بها يوماً والتي ناقشنا فيها مشكلة الأقليات اليهودية، خاصة تلك التي تنحدر أصولها من الأراضي العربية وعقدة إظهار الولاء التي تعيشها تلك الأقليات.

وهي مشكلة بالفعل معقدة وخطيرة. لذا فإنني أعتقد أن اختيار بيريتس من قبل الحكومة الإسرائيلية لشغل منصب وزير الحرب لم يكن اختياراً اعتباطياً أو عشوائياً، إنما هو اختيار مدروس، لأن تلك الحكومة تدرك أن بعض عناصر الأقليات تحاول طوال الوقت التنكر لجذورها، ومن ثم إثبات الولاء للدولة التي انتمت إليها والدفاع بكل شراسة عنها.
والذي يدرس بتمعن تركيبة وتاريخ "إسرائيل" يعرف تماماً هذه المؤشرات. كما أن الذي يدرس تاريخ بعض الأقليات اليهودية في دول العالم، ومنها بعض الدول العربية، يعرف أن الكثير من عناصر تلك الأقليات لعبت دوراً خطيراً في دعم قوى الاستعمار ضد تلك الدول، على سبيل المثال، وأنها كانت دوماً تسعى لإثارة القلاقل والمشكلات بما يخدم مصالحها هي، وليس المصلحة العامة للمجتمعات التي عاشت فيها.

اليوم، وعلى الرغم من أن الكثيرين من الإسرائيليين يعرفون أن أنظمة الحكم الإسلامية هي الأنظمة التي حافظت أكثر من غيرها على احترام حقوق اليهود واحتضنتهم واحترمت عباداتهم وطقوسهم، إلا أن شخصية مثل بيريتس تعيد إلى الأذهان مشكلة الأقليات اليهودية وعدم تخلصها من عقدها الكثيرة. مما يثبت أن مثل تلك المشكلات بحاجة إلى معالجة واهتمام، والأكثر من ذلك، بحاجة إلى أنظمة حكم تمارس العدالة المجتمعية الحقيقية وتحافظ على كيان وحقوق الأقليات، وهذا ما لا تملكه "إسرائيل"، وإن ادعت غير ذلك.